سيُذكر عيد العمال لعام 2026 ليس بسبب احتفاله التقليدي بحقوق العمال، بل بسبب الانفجار الهائل للمشاعر المناهضة للحرب التي اجتاحت أوروبا وآسيا. من باريس إلى طوكيو، ومن برلين إلى جاكرتا، خرج الملايين إلى الشوارع في الأول من مايو فيما أصبح واحداً من أكبر حركات الاحتجاج المنسقة في الذاكرة الحديثة، حيث وجّه المتظاهرون غضبهم ضد الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المستمرة ضد إيران.
الاحتجاجات التي بدأت كتجمعات نقابية عادية في كثير من المدن، تحولت بسرعة إلى مظاهرات حماسية مناهضة للحرب. في لندن، سار نحو 300 ألف شخص من هايد بارك إلى السفارة الأمريكية، حاملين لافتات تطالب بوقف فوري لإطلاق النار وسحب كل الدعم العسكري الغربي للصراع. وتكررت مشاهد مماثلة في مدريد وروما وأثينا، حيث أحرق المتظاهرون دمى رمزية واشتبكوا مع شرطة مكافحة الشغب قرب البعثات الدبلوماسية.
عبر آسيا، اتخذت المظاهرات أبعاداً أكبر حتى. في جاكرتا، تجمع أكثر من نصف مليون شخص في الساحة المركزية، بينما جذبت التجمعات الضخمة في كوالالمبور وسيول وطوكيو مئات الآلاف لكل منها. استهدف المتظاهرون في هذه المدن تحديداً المصالح التجارية الأمريكية، داعين إلى المقاطعة ومطالبين حكوماتهم بقطع اتفاقيات التعاون العسكري مع واشنطن.
لا يمكن المبالغة في تقدير الأهمية الثقافية لهذه الاحتجاجات. انضم فنانون وموسيقيون وصناع أفلام إلى المسيرات بأعداد غير مسبوقة، محولين المظاهرات إلى مهرجانات ثقافية عفوية. قدم فنانو الشوارع عروضاً ساخرة، ورسم الفنانون جداريات ضخمة مناهضة للحرب على واجهات المباني، وأدى الموسيقيون أغاني احتجاجية انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي.
النقابات العمالية التي تنظم تقليدياً فعاليات عيد العمال، وجدت نفسها تسير على خط رفيع بين مطالبها الاقتصادية والمشاعر الطاغية المناهضة للحرب. تبنى كثير من القادة النقابيين في نهاية المطاف الرسالة الأوسع، مؤكدين أن الإنفاق العسكري يحول الموارد عن العمال والخدمات العامة. مع تطور احتجاجات عيد العمال الأولية إلى حركة مستدامة خلال الأسبوع الأول من مايو، أشار المحللون إلى أن هذا يمثل لحظة فاصلة ثقافية حقيقية. إن الجمع بين النشاط النقابي التقليدي والمشاعر المناهضة للحرب خلق مفردات سياسية جديدة تتجاوز الحدود الوطنية، وتأثيرها على الخطاب العام العالمي والتعبير الثقافي أصبح بالفعل لا يمكن إنكاره.
التعليقات