توصل باحثون من جامعة هلسنكي عبر عمليات محاكاة حاسوبية ضخمة بصورة استثنائية إلى أن التنغستن، وهو من أبرز المواد المرشحة للجدران المواجهة للبلازما في مفاعلات الاندماج المستقبلية، قد يتعرض لضرر إشعاعي أولي أكبر عند الطاقات المرتبطة بعمل المفاعل مقارنة بما تتنبأ به النماذج المعتمدة. وأورد موقع Phys.org النتيجة في 15 أغسطس، فيما قبلتها دورية Physical Review Letters، وقد تؤثر في طريقة تقدير المهندسين لمتانة المكونات المعرضة لنيوترونات الاندماج. ويضع هذا الاستنتاج بيانات جديدة أمام الباحثين الذين يحاولون تقدير قدرة الجدران على البقاء في الخدمة.
تطلق تفاعلات الاندماج نيوترونات عالية الطاقة يمكنها أن تصطدم بذرة تنغستن وتزيحها من موضعها في الشبكة البلورية. وقد تصطدم الذرة المرتدة بذرات أخرى فتولد سلسلة من التصادمات وتترك عيوبا داخل المعدن. ويعد قياس لحظات الضرر الأولى مهما لأن التنغستن يجب أن يتحمل البيئة القاسية المحيطة بالبلازما فائقة السخونة والمشحونة كهربائيا مع الحفاظ على أدائه البنيوي. ولهذا تمثل عيوب البداية مدخلا أساسيا لأي حساب لاحق للتدهور المتراكم.
استخدم الفريق بقيادة الباحث الأول يسبر بيغميستر محاكاة للديناميكيات الجزيئية مدعومة بالتعلم الآلي ومهيأة للعمل بكفاءة على معالجات الرسوم. وتتبعت الحسابات طاقات ارتداد بلغت 2 ميغا إلكترون فولت وأنظمة احتوت على ما يصل إلى مليار ذرة. وتوضح الدراسة أن النماذج الذرية الكاملة السابقة كانت تتوقف غالبا عند بضع مئات من الكيلو إلكترون فولت، ما ترك فجوة بينها وبين الطاقات الأعلى بكثير التي تبلغها تجارب التشعيع بصورة اعتيادية. وقد أتاحت زيادة الحجم والطاقة مراقبة حركة الذرات وتفاعلها أثناء التصادمات على نطاق لم يكن متاحا في تلك الدراسات.
حدد العلماء ضمن هذا النطاق الموسع أربعة أنظمة لإنتاج الضرر الأولي. وتفترض الأوصاف الحالية عادة أن عدد العيوب يرتفع أولا بأقل من المعدل الخطي مع طاقة الارتداد ثم يصبح خطيا. لكن الحسابات الجديدة كشفت سلوكا إضافيا عند الطاقة العالية يختلف عن النماذج السابقة، ويبدأ الانتقال قرب 300 كيلو إلكترون فولت، وهي أقصى طاقة تستطيع النيوترونات المنبعثة من الاندماج نقلها إلى ذرات التنغستن. لذلك يقع التغير المرصود عند حد له صلة مباشرة بالظروف المتوقعة داخل منشآت الاندماج.
تشير المحاكاة بذلك إلى أن مكونات التنغستن عند طاقات الارتداد الخاصة بالاندماج قد تتدهور أكثر مما افترضته التقديرات السابقة. ولا تعني النتيجة أن التنغستن غير ملائم، كما أنها لا تقيس العمر التشغيلي لمفاعل يعمل فعليا. بل تقدم نموذجا محدثا للعيوب الأولية التي يولدها ارتداد ذرة واحدة، ويمكن إدخاله في حسابات أطول زمنا لتوقع الضرر المتراكم وعمر خدمة المكونات. ويبقى الفرق واضحا بين محاكاة الأثر الأول وبين قياس مادة تتعرض مرارا للإشعاع خلال التشغيل.
يعتزم فريق هلسنكي توسيع النهج ليشمل جرعات إشعاع أعلى ومقاييس مكانية أكبر ومحاكاة أدق. كما سيدرس أثر حجم الحبيبات وحدودها وعناصر السبائك في النتيجة. وستظل المقارنات التجريبية والعمل متعدد المقاييس ضرورية قبل تحويل النتيجة إلى تصاميم محددة للمفاعلات، لكن حساب المليار ذرة يمنح باحثي مواد الاندماج أساسا جديدا لاختبار جدران أكثر متانة. وستبين هذه الخطوات مدى تطابق الضرر الأولي المحاكى مع سلوك التنغستن الهندسي أثناء التعرض المستمر.
التعليقات