قام علماء يستخدمون تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لوكالة ناسا بتجميع أكثر خرائط المادة المظلمة تفصيلاً ودقة على الإطلاق، كاشفين عن الهيكل الجاذبي الخفي الذي شكّل بنية الكون عبر مليارات السنين. ونُشرت الدراسة يوم الاثنين في مجلة نيتشر أسترونومي، وحللت نحو 800 ألف مجرة رُصدت على مدى 255 ساعة ضمن مسح كوزموس-ويب، أكبر برنامج رصد خلال السنة الأولى من العمليات العلمية للتلسكوب. وتوفر الخريطة الناتجة ضعف دقة أي خريطة سابقة للمادة المظلمة.
قام الفريق الدولي بقيادة مشتركة من باحثين في جامعة درهام ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا والمعهد التقني الفيدرالي في لوزان بسويسرا برسم خريطة لمنطقة من السماء في كوكبة السدس تغطي مساحة تعادل نحو 2.5 ضعف حجم القمر المكتمل. وباستخدام تقنية تُعرف بعدسة الجاذبية الضعيفة قاس العلماء كيف تحني جاذبية الكتلة غير المرئية ضوء نحو 250 ألف مجرة خلفية بعيدة، مما أنتج تشوهات شكلية دقيقة تكشف عن توزيع المادة غير المرئية. وقد حلت الخريطة بنى المادة المظلمة التي يعود تاريخها إلى ما بين 8 و10 مليارات سنة وهي فترة حاسمة لتشكل المجرات.
صرّحت المؤلفة الرئيسية ديانا سكونياميليو عالمة الكونيات الرصدية في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا بأن تلسكوب جيمس ويب الفضائي يشبه ارتداء نظارات جديدة للكون حيث يرى مجرات أكثر خفوتاً وبعداً بتفاصيل أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. وأشارت إلى أن هذه الخريطة تمثل أكبر خريطة للمادة المظلمة أُنتجت باستخدام ويب وهي أكثر وضوحاً بمرتين من أي خريطة للمادة المظلمة أنتجتها مراصد أخرى. وقد قاست الخريطة أشكال 129 مجرة لكل دقيقة قوسية مربعة وتحتوي على نحو عشرة أضعاف المجرات مقارنة بخرائط المنطقة ذاتها من المراصد الأرضية وضعف ما رصده تلسكوب هابل الفضائي.
كشفت النتائج عن ارتباط قوي بين تجمعات المجرات وتركيزات المادة المظلمة في المنطقة المرصودة بأكملها. وأوضح البروفيسور ريتشارد ماسي من جامعة درهام أنه أينما وُجدت المادة العادية في الكون اليوم تُوجد أيضاً المادة المظلمة. وأثبت البحث أن جاذبية المادة المظلمة جذبت المادة العادية نحوها طوال التاريخ الكوني لتعمل فعلياً كعمود فقري ومخطط أساسي تجمعت عليه المجرات المرئية. وهذا يؤكد التنبؤات النظرية حول دور المادة المظلمة في تشكيل البنية الكبرى للكون.
فحص مسح كوزموس-ويب الرقعة ذاتها من السماء لمدة 255 ساعة بناءً على دراسة رائدة عام 2007 أنتجت أول خريطة تفصيلية للمادة المظلمة للحقل نفسه باستخدام تلسكوب هابل الفضائي. وكشفت بيانات ويب عن خيوط وتجمعات ومناطق منخفضة الكثافة كانت غير مرئية سابقاً بوضوح غير مسبوق. وحقق الباحثون هذا الإنجاز من خلال استغلال حساسية ويب للأشعة تحت الحمراء التي مكنتهم من رصد وقياس مجرات أبعد وأخفت بكثير مما استطاع أي جهاز سابق.
يخطط الفريق لتوسيع هذا العمل باستخدام تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي القادم من ناسا الذي يُتوقع أن يرسم خريطة المادة المظلمة على مساحة أكبر بـ4400 مرة من منطقة كوزموس. غير أن رومان لن يضاهي دقة ويب المكانية مما يعني أن رؤية أكثر تفصيلاً لبنية المادة المظلمة ستتطلب تلسكوباً من الجيل التالي مثل مرصد العوالم الصالحة للسكن المقترح. وتمثل الدراسة خطوة مهمة نحو بناء خريطة ثلاثية الأبعاد لتوزيع المادة المظلمة في الكون المرصود.
تشكل المادة المظلمة نحو 27 بالمئة من إجمالي محتوى الكتلة والطاقة في الكون لكن لا يمكن رصدها مباشرة لأنها لا تبعث الضوء ولا تمتصه ولا تعكسه. ويُستدل على وجودها من تأثيراتها الجاذبية على المادة المرئية والإشعاع والبنية الكبرى للكون. ويُعتبر فهم توزيعها أمراً جوهرياً لتفسير كيفية تشكل المجرات وتطورها على مدى 13.8 مليار سنة من تاريخ الكون.
التعليقات