يشرع الاتحاد الأوروبي في واحدة من أكثر مبادراته التكنولوجية طموحاً منذ عقود، ساعياً إلى ما يصفه المسؤولون والمحللون بالطلاق الرقمي من عمالقة التكنولوجيا الأمريكية. يقع في صميم هذا الجهد خطة استثمارية ضخمة بقيمة 20 مليار يورو، مصممة لبناء مصانع عملاقة للذكاء الاصطناعي، وهي حواسيب فائقة القدرة كافية لتدريب أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً التي تهيمن عليها حالياً الشركات الأمريكية.
أطلقت المفوضية الأوروبية مبادرتها الرائدة للمصانع العملاقة للذكاء الاصطناعي كجزء من استراتيجية أوسع لاستعادة الاستقلال التكنولوجي. العنصر المحوري في هذه الخطة هو مقترح قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الأوروبي، المعروف اختصاراً بـ كادا. يهدف هذا التشريع إلى معالجة أوجه القصور الحرجة في قدرات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الأوروبية، من خلال وضع متطلبات أهلية موحدة لمقدمي خدمات الحوسبة السحابية على مستوى الاتحاد بأكمله.
يمثل قانون كادا تحولاً جوهرياً في نهج أوروبا تجاه بنيتها التحتية الرقمية. يشجع القانون على تبسيط إجراءات الترخيص لمراكز البيانات الجديدة ومشاريع البنية التحتية ذات الصلة، مع تقديم دعم قوي في الوقت ذاته للبدائل المحلية في مجالي الحوسبة السحابية وأشباه الموصلات. الهدف واضح وصريح وهو تقليص اعتماد القارة العميق على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية الذين يسيطرون حالياً على السوق الأوروبية.
يأتي السعي نحو السيادة الرقمية في خضم توترات متصاعدة عبر الأطلسي مع إدارة ترامب. وجّه السفير الأمريكي أندرو بوزدر تحذيراً صريحاً للاتحاد الأوروبي، مطالباً بروكسل بالكف عن فرض غرامات على شركات التكنولوجيا الكبرى. غير أن البرلمان الأوروبي رد بالمطالبة بانفصال أكثر حسماً عن عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، معتبراً المناخ الجيوسياسي الراهن مبرراً إضافياً للاكتفاء الذاتي التكنولوجي.
برزت فرنسا كلاعب رئيسي في هذا الجهد القاري، حيث تكمّل خططها الطموحة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الاستراتيجية الأوروبية الأوسع. تتصور المفوضية الأوروبية شبكة من المصانع العملاقة للذكاء الاصطناعي موزعة عبر القارة، كل منها قادرة على توفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير وتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي واسعة النطاق دون الاعتماد على البنية التحتية الأمريكية.
رغم الحجم الهائل للاستثمار، يحذر المحللون من أن التزام العشرين مليار يورو لن يرفع القدرة الحاسوبية الأوروبية إلا إلى نحو اثنين بالمائة من إجمالي القدرة الحاسوبية العالمية بحلول عام 2027. تسلط هذه الحقيقة الضوء على الفجوة الواسعة بين القدرات التكنولوجية الأوروبية والأمريكية، فضلاً عن صعوبة المنافسة مع الاستثمارات الخاصة الضخمة المتدفقة نحو تطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والصين.
التعليقات