أخفق البرلمان العراقي في الالتزام بالموعد الدستوري يوم الثلاثاء 28 يناير لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعد أن لم تحقق الجلسة المنعقدة في اليوم السابق النصاب القانوني إذ حضر 85 نائباً فقط من أصل 222 المطلوبين، مما أدخل البلاد في أزمة دستورية تفاقمت بسبب خلاف حاد بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. أجّل رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي التصويت بعد أن طلب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني رسمياً مزيداً من الوقت للتفاوض حول أي طرف سيرشّح المرشح الرئاسي. يأتي هذا التأخير وسط تصاعد الضغوط الدولية بشأن العودة المتوقعة لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى السلطة، حيث تصدر الولايات المتحدة تحذيرات متزايدة الحدة ضد تعيينه.
ينبع المأزق الدستوري من انهيار اتفاق تقاسم السلطة الذي حكم السياسة العراقية منذ عقود بعد عام 2003. وبموجب نظام الحصص الطائفية والعرقية المعروف بالمحاصصة، يُخصَّص منصب الرئاسة لمرشح كردي، ورئاسة البرلمان لعربي سني، ومنصب رئيس الوزراء لعربي شيعي. يحتفظ الاتحاد الوطني الكردستاني بالرئاسة الاتحادية منذ عام 2005 ورشّح القيادي البارز نزار أمدي كمرشحه، بينما كسر الحزب الديمقراطي الكردستاني التقليد بترشيح وزير الخارجية فؤاد حسين، محتجاً بأنه الكتلة الكردية الأكبر بـ26 مقعداً برلمانياً مقابل 15 للاتحاد الوطني وبالتالي يستحق الترشيح. أدى هذا الجمود إلى شلل العملية التي كانت أصلاً متأخرة عن الجدول الزمني، حيث عقد البرلمان الجديد جلسته الأولى في 29 ديسمبر بعد انتخابات نوفمبر 2025 التي شهدت نسبة مشاركة بلغت 56 بالمائة.
طغت على أزمة الرئاسة المعركة الأكثر أهمية بكثير حول منصب رئيس الوزراء. ففي 24 يناير رشّح الإطار التنسيقي الشيعي، التحالف البرلماني المهيمن بنحو 116 إلى 119 مقعداً، المالكي كمرشحه لرئاسة الحكومة بعد انسحاب رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني من السعي لولاية ثانية. المالكي البالغ من العمر 75 عاماً هو رئيس الوزراء العراقي الوحيد الذي شغل المنصب لولايتين من 2006 إلى 2014، وهي فترة انتهت تحت ضغط مشترك من واشنطن والمرجع الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني وطهران بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل ومساحات شاسعة من الأراضي العراقية. فازت كتلته ائتلاف دولة القانون بـ29 مقعداً في انتخابات نوفمبر، وحصل على الترشيح بدعم من أحزاب موالية لإيران بما فيها عصائب أهل الحق ومنظمة بدر.
صعّد الرئيس دونالد ترامب المواجهة بشكل كبير في 27 يناير بنشره على منصة تروث سوشيال أن الولايات المتحدة لن تساعد العراق بعد الآن إذا أُعيد تنصيب المالكي. كتب ترامب أنه في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة غرق البلد في الفقر والفوضى التامة، وحذّر من أنه بدون الدعم الأمريكي لن يكون للعراق أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية. وقبل ذلك بيوم كان وزير الخارجية ماركو روبيو قد اتصل برئيس الوزراء المنتهية ولايته السوداني ليحذّر من أن حكومة يسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تضع مصالح العراق أولاً أو أن تُبقي البلاد بعيدة عن الصراعات الإقليمية أو أن تُعزّز الشراكة الثنائية بين واشنطن وبغداد. كما أرسلت وزارة الخارجية رسالة إلى السياسيين العراقيين تفيد بأنه رغم أن اختيار رئيس الوزراء يظل قراراً عراقياً، فإن الولايات المتحدة ستتخذ قراراتها السيادية الخاصة بشأن الحكومة المقبلة بما يتماشى مع المصالح الأمريكية.
تحمل تحذيرات واشنطن نفوذاً مالياً كبيراً. يحتفظ العراق بالجزء الأكبر من عائدات صادراته النفطية، التي تمثل نحو 90 بالمائة من إيرادات الحكومة، في حساب بالبنك المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. حذّر مسؤولون أمريكيون القادة العراقيين مراراً في الأسابيع الأخيرة من أن الولايات المتحدة قد تُعلّق تحويلات الدولار إلى البنك المركزي العراقي إذا انضمت أحزاب موالية لإيران إلى الحكومة. ووفقاً للتقارير نقل القائم بالأعمال جوشوا هاريس هذا التهديد إلى كبار المسؤولين العراقيين بمن فيهم السوداني وعمار الحكيم وهادي العامري والقيادي الكردي مسرور بارزاني. كما حذّرت واشنطن من أنها ستعلّق التعامل مع أي حكومة جديدة تضم أياً من 58 نائباً تعتبرهم مرتبطين بإيران.
يشير المحللون الإقليميون إلى أن ما هو على المحك يتجاوز حدود العراق بكثير. فمع ضعف إيران بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع حزب الله، أصبح العراق أهم موطئ قدم استراتيجي متبقٍّ لطهران في المنطقة. يوصف المالكي على نطاق واسع بأنه الأب الروحي لقوات الحشد الشعبي، البنى العسكرية الموازية المرتبطة بإيران، وعودته إلى السلطة من شأنها أن ترسّخ نفوذ الميليشيات على الحكم وتعرقل جهود التطبيع الإقليمي. اقترح عمار الحكيم زعيم تحالف قوى الدولة الوطنية الذي يملك 18 مقعداً برلمانياً إحالة مسألة رئاسة الوزراء إلى المرجع الأعلى آية الله السيستاني في النجف، في صدى لتدخل المرجع الحاسم عام 2014 الذي حال فعلياً دون ولاية ثالثة للمالكي، وإن كان الانخراط السياسي الحالي للمرجع البالغ من العمر 94 عاماً لا يزال غير مؤكد.
من المتوقع عقد جلسة برلمانية جديدة لانتخاب الرئيس في حوالي الأول من فبراير، رغم عدم تأكيد أي تاريخ رسمي. وبمجرد انتخاب الرئيس يمنح الدستور العراقي 15 يوماً لتكليف رئيس وزراء، مما يمهّد الطريق لما يُتوقع أن يكون واحدة من أكثر عمليات تشكيل الحكومات إثارة للجدل في تاريخ البلاد بعد عام 2003. أشار الإطار التنسيقي إلى أنه سيمضي قدماً في ترشيح المالكي بصرف النظر عن الضغوط الأمريكية، بينما لم تعلن الكتل الكردية والسنية التي تمتلك مجتمعة أكثر من 130 مقعداً بعد عن دعمها أو معارضتها للترشيح، مما يترك النتيجة النهائية معلّقة.
التعليقات