نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقاً موسعاً أجراه الصحفيان ماغي هابرمان وجوناثان سوان يكشف عن المداولات الدرامية التي جرت خلف الكواليس في غرفة العمليات بالبيت الأبيض خلال الأسابيع التي سبقت إطلاق الرئيس دونالد ترامب للضربات العسكرية ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير. ويرسم التقرير الذي يُعتقد أنه مستمد من كتابهما القادم عن عملية صنع القرار لدى ترامب خلال ولايته الثانية صورة لإدارة منقسمة بشدة حول نطاق الحملة العسكرية وأهدافها حيث أعرب العديد من أقرب مستشاري الرئيس عن تحفظات جدية.
في اجتماع محوري وصفه التحقيق قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مباشرة لترامب وفريقه خطة طموحة لتغيير النظام في إيران. وظهر نتنياهو إلى جانب قادة عسكريين إسرائيليين عبر شاشات التلفزيون في غرفة العمليات مقدماً استراتيجية شاملة للإطاحة بالحكومة الإيرانية. وحضر العرض كبار المسؤولين بمن فيهم رئيسة الأركان سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث والجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف وصهر ترامب جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
في اليوم التالي لعرض نتنياهو تغير المزاج في البيت الأبيض بشكل جذري. فقد أبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف اجتماعاً حضره ترامب أيضاً بأن مقترح نتنياهو لتغيير النظام كان هزلياً تماماً. ثم لخص وزير الخارجية ماركو روبيو الموقف العام بتأكيده أن خطة نتنياهو الكبرى لتغيير النظام لا تساوي شيئاً على الإطلاق مستخدماً تعبيراً فظاً للتأكيد على احتقاره التام للمقترح. وقد جسدت تلك اللحظة عمق الشكوك لدى كبار المسؤولين الأمريكيين تجاه أهداف إسرائيل القصوى في الحرب.
ورغم هذه المعارضة الداخلية لإطار تغيير النظام مضى ترامب في نهاية المطاف في الأمر بشن ضربات على إيران. وبرز نائب الرئيس جيه دي فانس باعتباره الصوت الأكثر حذراً داخل الدائرة المقربة من ترامب محذراً من أن العمل العسكري قد يطلق العنان للفوضى في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه. وتميز تشكك فانس في إدارة طالما سيطرت فيها الأصوات المتشددة تجاه إيران وقد اكتسبت تحذيراته بشأن العواقب غير المتوقعة للحرب أهمية متزايدة مع تطور الصراع.
كما سلطت الكشوفات الضوء على الديناميكيات السياسية المعقدة المحيطة بقرار الحرب. فقد تسبب روبيو نفسه في مشكلة كبيرة للإدارة عندما صرح للصحفيين بأن ترامب قرر مهاجمة إيران بسبب إسرائيل وهو تصريح يناقض الخطاب الرسمي الذي قدم الضربات على أنها رد مباشر على التهديدات الإيرانية ضد المصالح الأمريكية. وأجبرت هذه الزلة فريق الاتصالات في البيت الأبيض على الدخول في وضع السيطرة على الأضرار وكشفت التوترات بين التبرير العلني للحرب والمداولات الخاصة.
منذ بدء الضربات سعت عدة شخصيات بارزة في محيط ترامب إلى التنصل من القرار. فقد اتخذ كبار المسؤولين بمن فيهم فانس وروبيو ووايلز خطوات للإشارة إلى تحفظاتهم على الحرب وهو نمط يشير إلى قلق متزايد داخل الإدارة بشأن التداعيات السياسية والاستراتيجية للصراع. وتعد محاولات التنصل هذه لافتة بشكل خاص نظراً لأن هؤلاء المسؤولين كانوا حاضرين وشاركوا في الاجتماعات الرئيسية التي شكلت القرار.
يأتي تحقيق نيويورك تايمز في لحظة حساسة للغاية إذ تم الاتفاق للتو على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بين الأطراف المتحاربة. وقد وفرت الهدنة راحة قصيرة لكنها لم تفعل الكثير لحل التوترات الجوهرية التي أدت إلى النزاع. وقد برز روبيو رغم الجدل كنجم سياسي غير متوقع في ولاية ترامب الثانية حيث يشير المراقبون إلى استعداده للتحدث بصراحة حتى عندما يخلق ذلك مشاكل للإدارة.
التعليقات