أثار المحامي الفرنسي أرنو كلارسفيلد نجل صائدي النازيين الشهيرين سيرج وبياتي كلارسفيلد موجة واسعة من الاستنكار في فرنسا بعد مطالبته بتنظيم مداهمات واسعة النطاق للمهاجرين غير الشرعيين خلال بث مباشر على قناة سي نيوز يوم السبت 24 يناير. وفي حديثه خلال البرنامج الحواري بانشلاين صرّح كلارسفيلد بأنه للتخلص من الأجانب الخاضعين لأوامر مغادرة الأراضي الفرنسية المعروفة بالأوكيتيف ينبغي لفرنسا تنظيم عمليات على غرار نهج إدارة ترامب ووكالة الهجرة والجمارك الأمريكية.
كانت كلمات كلارسفيلد الحرفية أنه للتخلص من الأشخاص الخاضعين لأوامر الأوكيتيف لا بد من تنظيم أنواع من المداهمات الكبرى في كل مكان، معترفاً بأن مثل هذه العمليات ستنتج حتماً ظلماً اعتبره مقبولاً لصالح الدولة. وجاء النقاش على خلفية جرائم عنيفة وقعت مؤخراً في نيس شملت اغتصاب امرأة عمرها 90 عاماً ومقتل أم شابة حيث تبيّن أن المشتبه بهم من الرعايا الأجانب الخاضعين لأوامر الترحيل. وبُثت الحلقة على قناة سي نيوز التي واجهت انتقادات متكررة لاستضافتها خطاباً تحريضياً حول الهجرة.
أثار استخدام كلمة رافل التي تعني مداهمة صدمة خاصة نظراً لدلالاتها التاريخية العميقة في فرنسا. فالمصطلح مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمداهمة فيل ديف في يوليو 1942 عندما اعتقلت الشرطة الفرنسية التابعة لنظام فيشي أكثر من 13 ألف رجل وامرأة وطفل يهودي في باريس تمهيداً لترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال النازية. وكتب الصحفي جان-ميشيل أفاتي أن سماع أرنو كلارسفيلد يستخدم كلمة رافل مرتين لوصف عمليات تستهدف بشراً أمر مقشعر للأبدان. وزادت حقيقة أن التصريحات صدرت من نجل سيرج كلارسفيلد الذي رُحّل والده نفسه إلى أوشفيتز عام 1943 من حدة ردود الفعل.
أدان قادة سياسيون من مختلف أطياف اليسار الفرنسي هذه التصريحات. فعبّر الأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور عن عدم تصديقه على وسائل التواصل الاجتماعي كاتباً أنه يأمل أن يكون المقطع مفبركاً لأن مثل هذه التصريحات تبدو مستحيلة. وأعلن عزمه إحالة الأمر إلى النيابة العامة في باريس بموجب قانون الصحافة لعام 1881 الذي يجرّم التحريض على التمييز والكراهية والعنف. وقدّم النائب عن حركة فرنسا الأبية توما بورتيس شكوى رسمية لدى نيابة باريس وهيئة تنظيم الإعلام الفرنسية أركوم بموجب المادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية. وأكدت رئيسة كتلة فرنسا الأبية ماتيلد بانو على التناقض المقلق في أن يدعو حفيد ضحايا المداهمات والترحيل إلى مداهمات على الهواء مباشرة.
في مواجهة الانتقادات المتصاعدة حاول كلارسفيلد الدفاع عن نفسه على منصة إكس مساء السبت. فقال إنه يكفي الرجوع إلى القاموس لمعرفة تعريف كلمة رافل وأن اعتقال أجانب ارتكبوا جرائم وإعادتهم إلى بلدانهم يختلف جذرياً عن اختطاف أطفال يهود وإرسالهم إلى أوشفيتز ليتم إعدامهم بالغاز. غير أن منتقديه أشاروا سريعاً إلى أن كلارسفيلد نفسه كان قد كتب سابقاً إلى الرئيس إيمانويل ماكرون مؤكداً أنه سيكون من المستحيل دون التحول إلى دولة بوليسية تنفيذ مداهمات ضخمة على كامل الأراضي الفرنسية لاعتقال الأشخاص في وضع غير نظامي.
أعادت الجدل إشعال النقاش حول التوجه التحريري لقناة سي نيوز التي تُقارن بقناة فوكس نيوز وتخضع لرقابة تنظيمية بسبب محتوى يُعتبر محرّضاً على الكراهية أو التمييز. ولم يُنفَّذ سوى 7.7 بالمئة من أوامر الترحيل فعلياً في 2023 وفقاً لأحدث البيانات المتاحة مما يجعل إبعاد المهاجرين غير الشرعيين قضية سياسية مستمرة في فرنسا. وأعلنت عدة منظمات مدنية أنها تدرس إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية بسبب هذه التصريحات.
وقع هذا الحادث في سياق تصعيد إنفاذ قوانين الهجرة في الولايات المتحدة حيث نشرت إدارة ترامب عملاء وكالة الهجرة في عمليات أثارت تأييداً وإدانة على حد سواء. وقُتل مواطنان أمريكيان مؤخراً خلال عملية للوكالة في مينيابوليس مما يبرز المخاطر المرتبطة بأساليب الإنفاذ العنيفة. وفي فرنسا يظل النقاش حول سياسة الهجرة في صدارة الخطاب السياسي حيث تطالب أحزاب اليمين المتطرف بإجراءات أشد بينما تحذر أحزاب اليسار من تآكل الحقوق الأساسية وتطبيع خطاب خطير.
التعليقات